ابن أبي الحديد
37
شرح نهج البلاغة
ويمرح فيه مترفي بنى أمية وفساقهم فلا أحد يجيز ذلك . فأما قوله حاكيا عن أبي على : إن دفعه خمس إفريقية إلى مروان ليس بمحفوظ ولا منقول - فباطل ، لان العلم بذلك يجرى مجرى العلم بسائر ما تقدم ، ومن قرأ الاخبار علم ذلك على وجه لا يعترض فيه شك ، كما يعلم نظائره . روى الواقدي عن أسامة بن زيد ، عن نافع مولى الزبير ، عن عبد الله بن الزبير ، قال : أغزانا عثمان سنة سبع وعشرين إفريقية ، فأصاب عبد الله بن سعد بن أبي سرح غنائم جليلة ، فأعطى عثمان مروان بن الحكم تلك الغنائم . وهذا كما ترى يتضمن الزيادة على إعطاء الخمس ، ويتجاوزه إلى إعطاء الأصل . وروى الواقدي ، عن عبد الله بن جعفر ، عن أم بكر بنت المسور ، قالت : لما بنى مروان داره بالمدينة ، دعا الناس إلى طعامه ، وكان المسور ممن دعاه ، فقال مروان وهو يحدثهم : والله ما أنفقت في داري هذه من مال المسلمين درهما فما فوقه ، فقال المسور : لو أكلت طعامك وسكت كان خيرا لك . لقد غزوت معنا إفريقية ، وإنك لأقلنا مالا ورقيقا وأعوانا ، وأخفنا ثقلا ، فأعطاك ابن عمك خمس إفريقية ، وعملت على الصدقات ، فأخذت أموال المسلمين . وروى الكلبي عن أبيه ، عن أبي مخنف أن مروان ابتاع خمس إفريقية بمائتي ألف درهم ومائتي ألف دينار ، وكلم عثمان ، فوهبها له ، فأنكر الناس ذلك على عثمان . وهذا بعينه هو الذي اعترف به أبو الحسين الخياط واعتذر عنه بأن قلوب المسلمين تعلقت بأمر ذلك الجيش ، فرأى عثمان أن يهب لمروان ثمن ما ابتاعه من الخمس لما جاءه بشيرا بالفتح على سبيل الترغيب . وهذا الاعتذار ليس بشئ ، لان الذي رويناه من الاخبار في هذا الباب خال من البشارة ، وإنما يقتضى أنه سأله ترك ذلك عليه ، فتركه وابتدأ هو بصلته ، ولو أتى بشيرا بالفتح كما ادعوا لما جاز أن يترك عليه خمس الغنيمة العائد نفعه على المسلمين ،